أدوات مكافحة جرائم تعارض المصالح فى النظام القانونى (3)المصرى

أدوات مكافحة جرائم تعارض المصالح فى النظام القانونى المصرى

أدوات مكافحة جرائم تعارض المصالح فى النظام القانونى المصرى

فرع ثالث

حظر تعارض المصالح فى التشريعات المقارنة

فكرة عامة : لم تلتزم معظم التشريعات خطة منهجية موحدة لمعالجة تضارب المصالح ويظهر ذلك فى إحتفال النصوص الدستورية لكل دولة بتبيان قيمة الحماية وإطارها العام الخارجى ، ثم تتولى القوانين الجنائية مظاهر هذه الحماية وأسس التقويم الفعالة وردع كل من تسول له نفسه الإضرار بالمصالح العامة مستهدفاً مصالحه الشخصية

وقد تحفل دول أخرى برصد قانون خاص يهتم بمعالجة تضارب المصالح عموماً أستكمالاً لتعهداتها الدولية ( كما فعلت مصر وأصدرت القرار بقانون رقم 106 لسنة 2013 ) ، وكما فعلت إيطاليا بالقانون رقم 215الصادر فى 20/7/2004 بشأن حالات عدم التوافق فى المصالح وتضارب المصالح وكذلك القانون التشيكى رقم 159لسنة 2006الصادر فى 6/3/2006 ، والقانون العمانى رقم (112) لسنة 2011 .

وهكذا ترتسم ملامح سبل الحماية الفعالة فى أعلى مستوياتها ( الإطار الدستورى ) ثم المستوى الجنائى ( فى قوانين العقوبات ) وفى التشريعات المكملة له والتى تبغى القضاء على هذه الظاهرة كأشكالية تحجم من إنحراف السلطة أياً كان نوعها على النحو التالى :

اولاً / الإطار الدستورى لمنع تضارب المصالح :

(أ) الدستور الفرنسى :  فالمادة (23) تنص على أنه ( لايجوز الجمع بين عضوية الحكومة وتولى ولاية برلمانية أوأى منصب تمثيلى دولى أوعلى المستوى الوطنى فى أى وظيفة عامة أخرى أوأى نشاط مهنى ) وهو ما أكده المجلس الدستورى . هذا ويستكمل قانون الإنتخابات بأعتباره قانون عضوى مكمل للدستور أليات وإنماط هذا التضارب ويظهر فى الأتى :

1- المادة (L237) فتوضح عدم التوافق بين وظائف عامة فى المجلس البلدى والتى تتعارض مع وظيفة محافظ أوأمين عاماً بها أوممثل قانونى للمؤسسات المجتمعية ، فيخيرون بين قبول الولاية أوالإحتفاظ بوظائفهم .

كما لايجوز طبقاً للمادة (L237-1) تولى رئاسة مجلس بلدى بالإضافة إلى العمل داخل مركز رعاية اجتماعية ولو كان يعمل مستشاراً فنياً بداخله لتعارضه مع أسس التعاون الفنى والمالى بين البلديات العامة ونزعاً للطائفية ومنعاً لشبهة وإحتمالية التعارض .

2- المادة (L238-1) لاتجيز لأى مواطن من دول الإتحاد الأوروبى أن يكون عضواً فى المجلس البلدى فى فرنسا ، حتى ولو كانت فرنسا ملزمة بذلك طبقاً لمعاهدة الجماعة الأوروبية ، وعلى المواطن الذى يخرج عن هذا الإطار تقديم إستقالته خلال 10ايام من تاريخ التعارض ويعزل بقرار من المحافظ ويتم الطعن عليه أمام المحكمة الإدارية وفقاً للمواد L249،L250 من قانون الإنتخاب الفرنسى  ، على أعتبار أن مصطلح تضارب المصالح تبرز أهميته فى مجال القانون العام نظراً لأنه يعرقل المرافق العامة ويضرب فى أعماق التوازن بين السلطات ويعوق النظام السياسى الرشيد   .

(ب) الدستور البرازيلى :  يحتوى على تنظيم دقيق وشامل لكل جزئيات منع تضارب المصالح ، فيمتد نطاقه إلى القطاع العام والخاص والسلطة القضائية والتشريعية بمايسمي بشبكة حظر التضارب فى المنافع  وذلك على النحو التالى :

 1- بمطالعة المادة (37فقرة 17)من دستور البرازيل بأنه ( وينسحب حظر الجمع بين المواقع والوظائف فيشمل الهيئات ذات السيادة المطلقة ، والمؤسسات والشركات العامة ، وذات رأس المال المختلط وفروعها وجمعياتها والتى تسيطر الحكومة عليها سيطرة مباشرة أو غير مباشرة ) .

فنطاق الحظر يشمل العمل فى كافة هذه المواقع نظراً لحساسية العمل فيها وتوافر قرينة بسيطة مفادها نشوء تعارض للمصالح قد يساعد على أرتكاب جرائم إنحرافية .

2-  أمالمادة (38)دستور فتنص على أحكام خاصة بالموظف المدنى فى الإدارة العامة والخاضع أيضاً لهيئات ذات سيادة مطلقة .

فإذا كان يحوز منصب إتحادى أوفى إطار ولاية برازيلية أومنطقة عامة ، وأراد ترشيح نفسه للإنتخابات البرلمانية فعليه أن يترك منصبه فوراً .

لكن الأمر مختلف إذا كان الموظف المدنى يعمل كعمدة واراد الترشح فعليه أن يحصل على أجازة من منصبه وله أن يختار نظام الحصول على مكافأة مقابلة .

على أن الدستور يتخفف فى أحكامه لاسيما إذا كان الموظف المدنى العام معهوداً اليه بمنصب عضو مجلس مدينة ، ففى هذه الحالة إذا وجد توافق بين ساعات العمل فيجب أن يحصل على مرتباته كاملة وفى حالة عدم وجود التوافق فتنطبق عليها أحكام الاجازة الإجبارية .

والدستور يوجب  بعض المحظورات التى لايجوز للنواب فعلها نهائياً ويختلف حكمها أثناء الترشح ، وبعد الفوز بالعضوية .

فالمادة (54) دستور برازيلى لاتجيز لنواب أعضاء مجلس الشيوخ بعد صدور شهادة بفوزهم فى الإنتخابات توقيع عقد مع كيان أعتبارى عام أو مواصلة ذلك العقد مع أى جهاز حكومى مستقل ذاتياً أوحتى شركة عامة أوذات رأس مال مختلط أوشركة تقوم بالنفع العام إلا إذا كان العقد يخضع لشروط وضمانات عامة مجردة وموحدة فيمكن استكمال تنفيذ بنوده بحيث  لاتتغلب المصالح الذاتية على العامة أو تتعارض الضمانات الوظيفية لكل هيكل إدارى عام .

أما بعد توليه المنصب البرلمانى فيحظر عليهم أن يكونوا ملاك فى شركة تتمتع بمزايا نابعة من عقد خاص أوأن يكونوا مسيطرين على شركة من هذا القبيل أوأن يكونوا مديرى هذه الشركات ، ولاان يكونوا شاغلى أكثر من منصب واحد خاضع لقوانين الإنتخابات أوغيره من القواعد .

هذا وقد بينت المادة (55) من الدستور البرازيلى الجزاء على مخالفة التنظيم الدقيق للمادة (54) بقولها ( يفقد النائب أوعضو مجلس الشيوخ منصبه أولا/ إذا أنتهك أياً من المحظورات المنصوص عليها بالمادة السابقة  . وثانياً إذا أعلن أن سلوكه يتنافى مع اللياقة البرلمانية أوشبهة تضارب المصالح  ) .

ثانياً / الإطار العقابى لمنع تعارض المصالح :  

(أ) فى إيطاليا  ( قانون رقم 215والصادر فى 20/4/2004) بشأن حل تضارب المصالح :

فقد بين فى مادته رقم (1) نطاق سريانه الشخصى ليخص كافة شاغلى المناصب الحكومية من وزراء ونوابهم وأمناء الدولة والمفوضين بأعمال الحكومة ، كمايسرى على الأقاليم والمحافظات المتمتعة بالحكم الذاتى فى ترينتو وبولزانو طبقاً لأحكام المادة 11من قانون 23/8/1988 .

هذا وقد تولت المادة (2) بيان حالات عدم التوافق فوضحت عدم جواز ممارسة صاحب المنصب العام الحكومى ولاية برلمانية ، أو عقد مهام أخرى مع هيئات عامة مقابلة أو اقتصادية .

كمالايجوز له ممارسة ولاية التوظيف الذاتى فى الأمور المهنية سواء ماأتصل بالسلك الحكومى أومع أى إدارة عملية فى شركات تحقق الربح التجارى أوالإنخراط فى أى نوع من أنواع العمل العام أوالخاص .

ولحل هذا التضارب يوقف مزدوجى العمل عن ممارسة أختصاصهم أجبارياً وترد حقوقهم المالية للدولة إذا كان الجمع بين عمل حكومى وعضوية برلمان .

 أما إذا كان الجمع بين وظيفة مهنية وحكومية فيحل هذا التضارب خلال 12شهر عن طريق مكتب التوفيق الحكومى . أما إذا كان الموظف العام يمارس عمل خاص بحت فيوضع فى أجازة أجبارية بمالايوثر سلباً على وضعه الوظيفى وتدرجه .

علماً بأن القانون الإيطالى (رقم 215) بشأن عدم التوافق والتعارض ينص فى مادته رقم (3) على نطاق درجة القرابة للشخص المرتبط بالمسئول الحكومى حتى الدرجة الثانية .

 ويعتقد الباحث أن المشرع المصرى  أكثر تشدداً فى مد نطاق الحرمان إلى الدرجة الرابعة طبقاً للمادة (2) من القرار بقانون رقم 106 لسنة 2013 ، و لتحجيم هذه الظاهرة .

وتتولى هيئة السوق والمنافسة حل التضارب فهو وظيفتها طبقاً للمادة (6) ، فلها صلاحيات إزالته وإقالة المسئول الحكومى من منصبه ، أو تعليق علاقته الوظيفية بالحكومة أومحوه من السجلات المهنية بعد التحقق من وجود التضارب وتتمثل فى أعلان الأطراف المعنية فى غضون 30يوم من وجود التعارض وبعدها خلال 60يوم تخطر الهيئة كافة الجهات بمالديها من مستندات تثبت تورط المسئول فى حالات التعارض ، ثم فى 30يوم تالية تعلن الإجراءات المتخذه حيال مزدوج العمل وتختلف تبعاً لنوعية التعارض إذا كان جمع بين عمل حكومى وبرلمانى ، أوالعمل فى قطاع خاص أوأقتصادى أومهنى .

 ويلاحظ أن ذلك لايخل بأحكام قانون العقوبات فالمادة (328) تطبق القواعد الإجرائية والإدارية والتأديبية لتحكم جريمة إساءة إستخدام المركز المهيمن بالمادة (4) من القانون والتى توجب على كل موظف بالمفهوم الجنائى والإدارى أوفى أى قوانين خاصة أخرى ضرورة الافصاح عن شبهات التضارب التى تعرقل عمله وإلا استحق العقاب.

(ب) فى فرنسا : قانون رقم 907لسنة 2013بشأن الشفافية فى الحياة العامة ومنع تضارب المصالح :

1- : مصدره التجريمى

يمكن أعتبار المادة (432-13) عقوبات فرنسى هى شريعته الجنائية فقد أرست قواعده وتعريفه وهو مايستفاد من عقابها لكل موظف يحمل الصفة التنفيذية أوكلما كان وكيلاً عن سلطة عامة يتهم بالتعاقد مع شركة خاصة أوالحصول لمصلحتها على القرارات أوزيادة رأس مالها بمايؤثر على القيام بواجباته .

وأوجبت عليه المادة حظر أشتغاله بهذه الشركات لمدة 3سنوات بعد أنتهاء وظيفته وإلا عوقب بالسجن لمدة 3سنوات وغرامة 200الف يورو وكذا رد ضعف عائدات الجريمة ([1])  .

وحكمت النقض  بوجود تعارض مصالح فى علاقة طبيب فى مستشفى وهو أستاذ جامعى قد أدى خدمات إستشارية لبعض شركات الأدوية لاسيما وهو كان يعمل فى الوكالة الفرنسية لسلامة الأدوية . 

كما نقضت المحكمة ذاتها أحد الطعون دون الرجوع فى علاقة نائب مدير الخزانة الذى قدم استقالته فى 26يناير 2005ثم عين مديراً لبنك الإدخار الوطنى فى 2مارس 2009ممايستشف منه أنه تجاوز فترة الثلاث سنوات التالية لترك الوظيفة كحظر تتطلبه المادة (432-13)   .

وقررت بوجود تعارض حينما تعاقد المتهم  (موظف عام عمدة  Chasse -sur-Rhône ) مع ابنه وزوجته بحيث يستفيدوا من زيادة رسوم إستخدام الملكية العامة المقررة فى عقد إيجار ، كما أثبتت وجود علاقة الرشوة وإستغلال النفوذ المترتبة على هذه العلاقة  وهى صورة لتفضيل المنافع الخاصة على العامة .

ويلاحظ الباحث أن إدراج تجريم تعارض المصالح فى قانون العقوبات ذاته صراحة هو مايجب أن يحتفل به المشرع المصرى ثم تتظيمه فى قانون مستقل وهو مايتشابه مع المشرع الروسى فى قانون العقوبات الذى نص فى مادته رقم (201) على أنه ( كل من إستخدم سلطة وظيفية فى مؤسسة تجارية خاصة لتتعارض وتتناقض المصالح المشروعة للتنظيم العام والخاص من أجل الحصول على منافع ومزايا للنفس أوللغير أوتحقيق ضرر لمصالح الدولة ، فيعاقب بالسجن من 4إلى 8سنوات وغرامة مليون روبل والعزل من الوظيفة لمدة 10سنوات ، وتضاعف العقوبة إذا ارتكبها جماعة منظمة .

ويلاحظ الباحث أن المشرع الفرنسى قد أجرى تعديلات جذرية على قانون الشفافية فى الحياة السياسية بمقتضى قانون مكافحة الفساد وتحقيق التنمية فى فرنسا رقم 1691لسنة 2016، وشملت التعديلات ضمانات فى التجريم ووضوح معاييره بالنسبة للتعارض المطلق والنسبى والظاهرى وفى النطاق الشخصى بالمادة (39) منه لتفعيل أحكامه .

2- : مضمون تضارب المصالح

 فقد عرفته المادة (2) من قانون تحقيق الشفافية فى الحياة العامة رقم 907لسنة 2013بأنه ” كل تضارب يتم فيه التداخل والتنازع بين مصلحتين أحدهما عامة والأخرى خاصة والتى من شأنها لووجدت لحققت تأثيراً ملحوظاً على الممارسة الحرة والمستقلة للسلطة الإدارية بحيث تصبح متحيزة لأحداهما ” .

و يهدف القانون بمادته رقم (1) إلى تحقيق النزاهة والاستقامة بالحد الفورى من كل وسائل وطرائق تضارب المصالح للمسئول الحكومى والبرلمانى وهو ماقررته محكمة النقض بضرورة التحلى بالشفافية ومنع التضارب فى المجال العام وتأثيره على النزاهة ومنه الإنحراف .

لذا فإن نطاقه الشخصى أوسع مماهو عليه القرار بقانون 106لسنة 2013 فيشمل طبقاً لمادته رقم (3) كل سلطة إدارية عامة وجميع الأشخاص الذين يمارسون أختصاصهم بداخلها ومع عدم الإخلال بماتنص عليه المادة (12-432) عقوبات فى فقرتها الثانية .

كمايسرى على الأشخاص القائمين بمهمة تنفيذ خدمة عامة ولوتم تفويضهم من سلطة أعلى طالما يمتلكون زمام أصدار القرارات والأنشطة الإدارية المختلفة ويحدد مجلس الدولة بمرسوم منه باقى طوائفه .

وهذا التحديد المرن الواسع يمثل إطار لتكامل الحماية الإدارية فى بلورة مفهوم الموظف عموماً بمايلقى بأثار فى غاية الخطورة فى المجال الجنائى خصوصاُ تجريم الأفعال  لتحيط بنطاقها الفاعل والفعل للقضاء على الإنحراف . 

كما أدانت النقض الجنائية مدير ورسام شركة الرسوم المتحركة لوجود علاقات عائلية مع اقاربه فى هيئة التنمية العقارية أسندت اليه دون غيره القيام بأعمال تزيين بعض الأبنية والشوارع بالمخالفة للقانون وبمايمثل تعارض مصالح واضح  .

كما بينت النقض نوعيات التعارض بقولها ( أن علاقة الصداقة العابرة غير الوطيدة التى لاتقترن بمصالح أوعلاقات تجارية مباشرة أوغير مباشرة لايمكن أن تمثل تضارباً للمصالح فى مفهوم المادة (423-12) عقوبات .

وأن السيدة فيرجينا لايمكن إدانتها بقيام علاقة وساطة مع شركتها التى تسمى الفيروز للإستثمار وبين البنك صاحب دفع القرض .

كما عرفت أفعال تعارض المصالح بوصف الإستيلاء غير المشروع على المنافع والمزايا والفوائد للنفس أوللغير بالمخالفة للقواعد القانونية للشفافية والنزاهة  .

وبينت أن مسئول كبير بالسكك الحديدية الفرنسية قد أسند لشركة خاصة تتعلق بشحن البضائع دون غيرها بمايوصف بأنه تعارض مصالح جوهرى يتعين الإفصاح عنه للحفاظ على النزاهة . كما وصفت ان العمدة إذا أسند لشركة توربينات الرياح الألمانية دون غيرها لوجود علاقات معها ويمثل تعارضاً .

عن المؤلف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ربما ستعجبك هذه أيضا

AR